السيد كمال الحيدري

63

دروس في علم الإمام

لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ الواقعة : 75 - 79 ، « فإنّه ظاهر في أنّ للقرآن موقعاً هو في الكتاب المكنون ، لا يمسّه هناك أحد إلّا المطهّرون من عباد الله ، وأنّ التنزيل بعده ، وأمّا قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار ، وهو الذي عبّر عنه في آيات الزخرف بأُمّ الكتاب ، وفي سورة البروج باللّوح المحفوظ ؛ وهذا اللوح إنّما كان محفوظاً لحفظه من ورود التغيّر عليه ، ومن المعلوم أنّ القرآن المنزّل تدريجاً لا يخلو من ناسخ ومنسوخ ، وعن التدريج الذي هو نحو من التبدّل . فالكتاب المبين - الذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التفصيل - أمر وراء هذا المنزل ، وإنّما هذا بمنزلة اللباس لذاك » « 1 » . الأمر الثاني : الفارق بين الكتاب المبين والخزائن الإلهية تقدّم في بحث سابق أنّ كلّ ما يطلق عليه شيء فله خزائن عنده تعالى ، فهل الكتاب المبين - الذي يحصي كلّ شيء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، لا أصغر من ذلك ولا أكبر - هو الخزائن ؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول : في ضوء الآيات القرآنيّة التي تعرّضت لكلّ من الخزائن والكتاب المبين ، يتّضح أنّ من خصائص وصفات الخزائن أنّها لا حدّ ولا قدر لها ، وإنّما الحدّ يبدأ بعد الإنزال من تلك الخزائن ؛ قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الحجر : 21 . فالآية دالّة بوضوح على عدم وجود الحدّ والقدر للأشياء قبل نزولها من الخزائن ، وهذا يكشف عن أنّ وجود الأشياء في الخزائن بنحو آخر ، وهو الوجود الإجمالي البسيط ، وأمّا في الكتاب المبين ، فهو يشتمل على تفاصيل الأشياء وحدودها وقدرها ، كما هو ظاهر الآيات المتقدّمة .

--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 17 . .